محمد متولي الشعراوي
1172
تفسير الشعراوي
لا تبصر عيبه لتأخذه ، فما لم تقبله لنفسك فلا يصح أن تقبله لسواك . ثم بعد أن تكلم القرآن عن منافذ الشح في النفس الإنسانية بين لنا أن الذي ينتج هذه المنافذ ويغذيها إنما هو الشيطان : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 ) ( سورة البقرة ) فإن سوّيتم بين عدة الشيطان ووعد اللّه لكم بالرضوان كان الخسران والضياع . فراجعوا إيمانكم ، وعليكم أن تجعلوا عدة الشيطان مدحورة أمام وعد اللّه لكم بالفضل والمغفرة . ثم يتكلم بعد ذلك عن زمن الصدقة وعن حال إنفاقها - ظاهرة أو باطنة - وتكون النية عندك هي المرجحة لعمل على عمل ، فإذا كنت إنسانا غنيا فارحم عرضك من أن يتناوله الناس وتصدق صدقة علنية فيما هو واجب عليك لتحمى عرضك من مقولهم ، وأن أردت أن تتصدق تطوعا فلا مانع أن تسر بها حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك . . فعن ابن عباس رضى اللّه عنهما : صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا ، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا . وكأن اللّه فتح أمام النفس البشرية كل منافذ العطاء وسد منافذ الشح . انظروا بعد ذلك إلى الحق سبحانه حينما يحمى ضعاف المؤمنين ليجعلهم في حماية أقوياء المؤمنين . اعلم أيها العبد المؤمن أنك حين تتلقى حكم اللّه لا تتلقاه على أنه مطلوب منك دائما ، ولكن عليك أن تتلقى الحكم على أنه قد يصير بتصرفات الأغيار مطلوبا لك ، فإن كنت غنيا فلا تعتقد أن اللّه يطالبك دائما ، ولكن قدّر أنك إن أصبحت بعرض الأغيار في الحياة فقيرا سيكون الحكم مطلوبا لك . فقدر - حال كونه مطلوبا منك الآن ؛ لأنك غنى - أنّه سيطلب لك إن حصلت لك أغيار ، فصرت بها فقيرا . إذن فالتشريع لك وعليك ، فلا تعتبره عليك دائما لأنك إن اعتبرته عليك دائما